الرئيسية / مقالات الرأي / هل خسرت أوروبا الحرب على مستقبلها الرقمي؟

هل خسرت أوروبا الحرب على مستقبلها الرقمي؟

جيمس أندرو لويس، نائب الرئيس الأول، ومدير برنامج سياسة التكنولوجيا في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية.

هيذر أ. كونلي، نائب الرئيس الأول لأوروبا وأورآسيا والقطب الشمالي، ومديرة برنامج أوروبا في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية.

هوسوك لي-مكياما، مدير المركز الأوروبي لاقتصاد السياسة الدولية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية.

لا تعدُّ التقنيات الرقمية أمراً حديثاً، لكن صُناع السياسة أدركوا حقيقة أن هذه التقنيات ستقود النمو الاقتصادي، وآخر من أدرك ذلك هم مسؤولو الاتحاد الأوروبي.

إن تبني الاتحاد الأوروبي لاستراتيجية جديدة يعد أمراً طموحاً، لكن هذه الاستراتيجية تخلو من التفاصيل، وجاءت مصحوبة بتصريحات مفادها أن “أوروبا ربما تكون قد خسرت المعركة لإنشاء شركات رقمية عملاقة قادرة على مواجهة الشركات الأمريكية والصينية، لكنها قادرة على التفوق في حرب البيانات الصناعية”.

إن الخطوة الأولى لحل أي مشكلة هي الإقرار بوجود المشكلة، فقد خسرت أوروبا بالفعل معركة إنشاء شركات رقمية عملاقة، لكن هل خسرت الحرب أيضاً؟ الجواب هو نعم. يريد الاتحاد الأوروبي “السيادة التكنولوجية”، لكنه لا يشرح الكيفية التي سيحقق بها هذه السيادة دون “التدمير الخلاق” للشركات والوظائف الحالية عبر الاعتماد على الابتكار والتكنولوجيا، أو كيف ستعاني أوروبا -كبرى المصدرات للخدمات التجارية وخدمات البنى التحتية الحيوية في العالم- إذا ما تأصلت مفاهيم السيادة في البلدان الأخرى.

وهنا تبدأ الخسارة في الحرب، فحين الإعلان عن الاستراتيجية الرقمية الجديدة للاتحاد الأوروبي، صرح المفوض الأوروبي للسوق الداخلية تيري بريتون بأن “أوروبا هي كبرى قارة صناعية في العالم” (تجاهل الصين) وأكد أن الولايات المتحدة فقدت درايتها الصناعية. وبالفعل كانت أوروبا هي القارة الصناعية الكبرى في العالم ولكن في القرن التاسع عشر. وإذا فقدت الولايات المتحدة الدراية، فإن الأمر يعود إلى عدم تركيز الاهتمام على صناعات القرن الماضي، مثل المنسوجات، أو الصلب.

لتوضيح الفقرة المذكورة آنفاً نرى أن من بين أكبر 10 شركات في الولايات المتحدة، 5 منها أنشئت قبل أقل من 20 عاماً، في حين أن يعود تأريخ إنشاء أكبر 10 شركات في أوروبا إلى أكثر من 100 عام.

يشير هذا التباين إلى تحديات أكبر، فقد تكون المشكلات الأساسية لسياسة الابتكار الأوروبية هيكلية، إذ تبدأ بالأسواق التي تم التحكم فيها بنحو مفرط يقضي على المخاطر، ولكنها لم تعد تكافئ روح المبادرة الإبداعية والمجازفة، وهذا أدى بدوره إلى نقص في رأس المال الاستثماري والاستثمارات، إذ لا ترغب الشركات الأوروبية متعددة الجنسيات بالاستثمار في أسواقها المحلية الراكدة. وبعض المعوقات ثقافية، إذ يوجد نفور من المخاطرة ومقاومة تجاه تبني تقنيات جديدة، ولاسيما تلك التي تم ابتكارها في الخارج. على الأوروبيين ألا يتوقعوا أن يصبحوا أكثر ابتكاراً من طريق استخدام معرفتهم لمقاومة التغيير في الوضع الراهن، أو عبر تبني حلول موجهة من قبل الحكومة، وهو أمر يحاول المخططون الصناعيون الصينيون التخلي عنه.

لدى الاتحاد الأوروبي نقاط قوة وضعف عندما يتعلق الأمر بالتكنولوجيا، إذ تتمتع أوروبا بقدرات قوية في مجال البحث والتطوير الأساس (على الرغم من تأثرها بخروج المملكة المتحدة من الاتحاد). لكن النهج التنظيمي الذي ينطبق على تسويق الإنترنت والبيانات أصبح ضعيفاً. لقد نجح الاتحاد الأوروبي كجهة تنظيم أولية شكلت قواعد حماية البيانات العالمية، لكنه مع ذلك فشل في تأسيس شركات أوروبية رقمية عملاقة. وفي حين أن لدى الاتحاد الأوروبي مخاوف مشروعة بشأن مخاطر انتهاك الخصوصية من قبل عمالقة التكنولوجيا الأمريكيين، إلا أن محاولة تطبيق حلول قانونية مفرطة (في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي) سيضر فقط باقتصاد البيانات الخاص بالاتحاد دون إعاقة نمو شركات التكنولوجيا الأمريكية في أوروبا.

يسلط الاتحاد الأوروبي طاقات هائلة على الأوراق البيض، وجداول الأعمال الاقتصادية التطلعية، والاستراتيجيات، لكن هذا لا يضمن نجاح السوق، ولاسيما مع غياب الموارد. وأفضل مثال على ذلك هو (Quaero)، محرك البحث المدعوم من الاتحاد الأوروبي، الذي كان من المفترض أن يكون منافساً لـ (Google)؛ فاليوم، يجب عليك استخدام (Google) للعثور على (Quaero). ومن دون إجراء إعادة هيكلة كبيرة، فإن (Gaia-x) مفهوم الاتحاد الأوروبي للسحابة[1] الأوروبية الالكترونية الفائقة، مهددة بمعاناة مصير مماثل، وسيكون مجهزاً بنحو سيّئ لدورات المنتجات الأقصر من الأعمال السحابية واستخراج البيانات، وسيتطلب الأمر انتهاج سياسات مختلفة تماماً للضغط على شركات التكنولوجيا الأمريكية بطرق توفر مساحة سوق كافية لظهور منافس أوروبي.

يوضح كلا المثالين كيف أن أوروبا عالقة في نهج الخمسينيات للابتكار الذي يركز في جانب العرض، ويتجاهل كيف أصبح الابتكار متمحوراً عن المستخدم، مع التركيز على جانب الطلب. ويبدو أن حجة بريتون تكمن في أنه من خلال التحكم في الوصول إلى البيانات الأوروبية وبالتخلي عن “مبدأ عدم التدخل” الذي اتبعه الاتحاد الأوروبي في التسعينيات، يمكن للاتحاد استخدام الضغط التنظيمي لحماية أعماله في السحابة. ويمكن للاتحاد الأوروبي تنظيم الخصوصية، لكن تنظيم البيانات بطرق لا تضر بالأعمال يعد تحدياً أكثر تعقيداً، إذ يجب أن تكون الخصوصية، والقدرة التنافسية، والنمو الاقتصادي متوازناً بنحو أفضل.

إن السيناريو الاقتصادي في السنوات العشرين الماضية لا يتمثل في تفوّق الصين على الولايات المتحدة، بل في تفوّقها على أوروبا. ويمكن للتنظيم الصيني أن يكون “مرناً” وقائماً على المخاطر، إلا عندما يتعلق الأمر بحماية مصالح الحزب الشيوعي الصيني. وتستخدم الصين الاستثمارات، والإعانات لخلق شركات عملاقة؛ بينما لا تنفق أوروبا ما يكفي على تكوين رأس المال، وتسمح لقواعد الاتحاد الأوروبي والقوانين الوطنية بتنظيم قطاع التكنولوجيا بإفراط. ويمكن القول بطريقة أخرى: إن أنموذج الصين يفضل النمو الاقتصادي على حساب البيئة، والصحة العامة، والفرد. أما أنموذج الولايات المتحدة فيفضل النمو على حساب المساواة الاجتماعية. والسؤال هنا: هل يمكن لأوروبا أن تجد مقاربة متوازنة تعمل على تنشيط النمو دون تضحيات اجتماعية غير مقبولة؟ الجواب حتى الآن هو: لا.

يحتاج اقتصاد البيانات إلى مرونة في السياسة لتحديد أفضل السبل لتحقيق المكاسب الاقتصادية والمنفعة العامة. ويقوم رواد الأعمال والشركات بتجربة كيفية تعظيم العوائد من قبيل 5G، والحوسبة السحابية، والذكاء الاصطناعي، وتحليلات البيانات، ومجموعة من التقنيات التي تعيد تشكيل طبيعة الأعمال. وبالنسبة لأوروبا، فتتطلب معركة مستقبلها الرقمي اتخاذ قرارات صعبة بشأن موازنة النمو الاقتصادي والابتكار ضد الحماية والخصوصية الصناعية.

سيؤدي الوصول إلى البيانات إلى تعزيز الابتكار، وأمام أوروبا فرصة لإيجاد طرق لتوفير هذا الوصول دون التضحية بالمصلحة العامة. ولن يكون الأمر على طريقة عدم التدخل الأمريكية، ولا يمكن أن يكون مزيجاً من الاستراتيجية واللوائح الصناعية (حتى أن وصف الاستراتيجية الرقمية “بالصناعية” يشير إلى سوء فهم). ولاحظت نائبة رئيس المفوضية الأوروبية ومفوضة القيم والشفافية (فيرا يوروفا) أن الابتكار والحقوق الأساسية يمكن أن تتجاوب مع بعضها بعضاً. لكن اليوم، يولي الاتحاد الأوروبي الأولوية لحماية البيانات، والتوطين، والسيادة على النمو الاقتصادي؛ وفي هذا النهج، من المحتمل أن تخسر أوروبا أي “حرب” على مستقبلها الرقمي.

[1] مصطلح يستخدم للتعبير عن عمليات التخزين التي تجري على شبكة الانترنت.

 


المصدر:

https://www.csis.org/analysis/has-europe-lost-both-battle-and-war-over-its-digital-future

شاهد أيضاً

واشنطن وحكومة بغداد الجديدة – الاختبار الاقتصادي

يسار المالكي، زميل غير مقيم في معهد الشرق الأوسط. لا يخفى على أحد أنّ حكومة رئيس …

يسعدنا تعليقك في كوكب الاخبار